أبي الفرج الأصفهاني
367
الأغاني
وما شئنا تركنا . فقال له الأشتر : أنت تقول هذا أصلحك اللَّه وهذا من مركز رماحنا وفيئنا ! ثم ضربوا عبد الرحمن ابن حبيش حتى سقط . قال المدائني فحدّثني عليّ بن مجاهد عن محمد بن إسحاق عن الشعبي [ ومجالد بن حمزة بن بيض عن الشعبيّ ] [ 1 ] قال : بينا القرّاء عند سعيد بن العاص وهم يأكلون تمرا وزبدا إذ قال سعيد : السواد بستان قريش ، فما شئنا أخذنا منه وما شئنا تركنا . فقال له عبد الرحمن بن حبيش وكان على شرطة سعيد : صدق الأمير . فوثب عليه القرّاء فضربوه ، وقالوا له : يا عدوّ اللَّه ، يقول الباطل وتصدقه ! فقال سعيد : اخرجوا من داري . فخرجوا ، فلما أصبحوا أتو المسجد فداروا على الحلق فقالوا : إن أميركم زعم أنّ السواد بستان له ولقومه وهو فيئنا ومركز رماحنا ، فو اللَّه ما على هذا بايعنا ولا عليه أسلما . فكتب سعيد إلى عثمان رضي اللَّه عنه : إنّ قبلي قوما يدعون القرّاء وهم السفهاء ، وثبوا على صاحب / شرطتي فضربوه واستخفوا بي . ومنهم عمرو بن زرارة ، وكميل بن [ زياد ، والأشتر وحرفوص بن هبيرة ، وشريح بن أوفى ، ويزيد بن ] [ 2 ] المكفّف ، وزيد وصعصعة ابنا صوحان وجندب بن عبد اللَّه . فكتب إليهم عثمان رضي اللَّه عنه يأمرهم أن يخرجوا إلى الشام ويغروا مغازيهم . وكتب إلى سعيد : قد كفيتك الذي أردت فأقرئهم كتابي فإني أراهم لا يخالفون إن شاء اللَّه ، واتق اللَّه جلّ وعز وأحسن السيرة . فأقرأهم الكتاب ، فخرجوا إلى دمشق فأكرمهم معاوية وقال : إنكم قدمتم بلدا لا يعرف أهله إلا الطاعة فلا تجادلوهم فتدخلوا الشكّ قلوبهم . فقال له الأشتر : إنّ اللَّه جل وعز قد أخذ على العلماء في علمهم ميثاقا أن يبيّنوه للناس ولا يكتموه . فإن سألنا سائل عن شيء نعلمه لم نكتمه . فقال : قد خفت أن تكونوا مرصدين للفتنة ، فاتقوا اللَّه * ( ولا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ ) * فقال عمرو بن زرارة : نحن الذين هدى اللَّه . فأمر معاوية بحبسهم . فقال له زيد بن صوحان : إن الذين أشخصونا إليك لم يعجزوا عن حبسنا لو أرادوا . فأحسنوا جوارنا ، وإن كنا ظالمين فنستغفر اللَّه ، وإن كنا مظلومين فنسأل اللَّه العافية . فقال له معاوية : إني لا أرى حبسك أمرا صالحا ، فإن أحببت أن آذن لك فترجع إلى مصرك وأكتب إلى أمير المؤمنين بإذنك فعلت . قال حسبي أن تأذن لي وتكتب إلى سعيد . فكتب إليه ، فأذن له ، فلما أراد زيد الشخوص كلَّمه في الأشتر وعمرو بن زرارة فأخرجهما . وأقام القوم بدمشق لا يرون أمرا يكرهونه ؛ ثم أشخصهم معاوية إلى حمص ، فكانوا بها ، حتى أجمع أهل الكوفة على إخراج سعيد فكتبوا إليهم فقدموا . قال أبو زيد قال المدائني حدّثني الوقاصي عن الزّهري : أن أهل الكوفة لما قدموا على عثمان يشكون سعيدا قال لهم : أكتب إليه فأجمع بينكم وبينه . ففعل ، فلم يحقّقوا عليه شيئا إلا قوله : « السواد بستان / قريش » ، وأثنى الآخرون عليه . فقال عثمان : أرى أصحابكم / يسألون إقراره ، ولم يثبتوا عليه إلا كلمة واحدة ، لم ينتهك بها لأحد حرمة . ولا أرى عزله إلا أن تثبتوا عليه ما لا يحلّ لأحد تركه معه . فانصرفوا إلى مصركم . فرجع سعيد والفريقان معه ، وتقدّمهم عليّ بن الهيثم السدوسيّ حتى دخل رحبة المسجد فقال : يا أهل الكوفة إنا أتينا خليفتنا فشكونا إليه عاملنا ، ونحن نرى أنه سيصرفه عنا ، فردّه إلينا وهو يزعم أن السواد بستان له . وأنا امرؤ منكم أرضى إذا رضيتم . فقالوا لا نرضى .
--> [ 1 ] التكملة من ف . [ 2 ] التكملة من ف .